في الثالث من يونيو/حزيران 2016، توفي الملاكم الأميركي الأسطوري محمد علي عن عمر يناهز 74 عاما. وبعد عشر سنوات من توديع العالم له، لا يزال صوته يتردد ــ ليس في حشد من الناس أو على إيقاعات حلبة الملاكمة، بل في رواق خارج مكتبي في الأمم المتحدة.
هناك، على الحائط، معلقة لوحة بالألوان المائية رسمها بنفسه لمقر الأمم المتحدة ـ وهي صورة لطيفة ورقيقة للمبنى الذي أصبح يرمز إلى شوق العالم إلى السلام.
وقد رسمها علي عام 1978 وقدمها شخصيا لمسؤولي الأمم المتحدة، واصفا إياها بأنها “هدية السلام”. إنه أكثر من مجرد عمل فني – إنه جسر بين شجاعته العامة وقناعته الخاصة بأن السلام هو أسمى دعوة للإنسانية.
ضربات الفرشاة بسيطة. الصدق وراءهم لا لبس فيه. إنها شهادة من رجل يفهم، أفضل من غيره، ما يعنيه الكفاح من أجل الكرامة خارج الحلبة.
وفي رسالة رافقت اللوحة، كتب علي كلمات لا تزال توقفني في مسيرتي: “خدمة الآخرين هي الإيجار الذي ندفعه مقابل غرفتنا هنا على الأرض”.

أرى هذا الخط كل يوم. وفي كل يوم، يبدو الأمر أقل شبهًا بالاقتباس وأكثر مثل الاستدعاء – وهو تحدٍ للتفكير في ما ندين به لبعضنا البعض في عصر الانقسام وعدم المساواة والصراع.
بعد مرور عشر سنوات على وفاته، لماذا تبدو رسالته أكثر إلحاحا؟
لأننا نعيش في لحظة حيث يبدو السلام هشًا بشكل متزايد – حيث تمزقه الحروب، ويتوتر بسبب الكراهية المتزايدة، ويختبره التوسع غير المنضبط للتكنولوجيات الجديدة، ومع تعرض حقوق النساء والفتيات وسلامتهن للتهديد بشكل متزايد.
ومع ذلك فإن لوحة علي تتحدث عن شيء بسيط إلى حد مذهل: فالسلام يظل ممكناً، ولكن فقط إذا كنا على استعداد لجعله مسؤوليتنا الشخصية.
عرف علي تكلفة التحدث علنًا عندما يكون الصمت أكثر أمانًا. وقد تعرض للتشهير لرفضه القتال في فيتنام، وعوقب بسبب وقوفه في وجه العنصرية والظلم في الداخل. لكنه لم يستسلم أبدًا، واستخدم شهرته لتضخيم الحقيقة بدلاً من إسكاتها.
وعندما أحضر لوحته إلى الأمم المتحدة، كان يشير إلى نفس النقطة التي أوضحها في حياته: السلام يتطلب الشجاعة – ليس فقط شجاعة المقاتل، بل شجاعة صانع السلام.
وأكثر ما يحركني اليوم هو أنه عهد بتلك الرسالة إلى الأمم المتحدة.
في الأيام الصعبة – وهي كثيرة – أنظر إلى تلك اللوحة وأتذكر أن السلام يصنعه أولئك الذين يرفضون قبول العنف ككلمة أخيرة.

إن تصويره للأمم المتحدة متواضع ومفعم بالأمل. وربما كان ينظر إلينا بهذه الطريقة: أسرة معيبة من الأمم التي تسعى جاهدة، رغم الصعاب، إلى الارتقاء إلى مستوى مُثُلنا المشتركة.
وبينما نحتفل بمرور عقد على رحيله، أجد نفسي أتساءل: ماذا سيطلب منا محمد علي اليوم؟
أعتقد أنه سيطلب منا أن نقاتل من أجل بعضنا البعض، وليس ضد بعضنا البعض. للدفاع عن حقوق الإنسان بنفس العزم الذي جلبه إلى قناعاته الخاصة. الوقوف مع المضطهدين، والتحدث باسم من لا صوت لهم، والاستمرار في اختيار السلام حتى عندما يكون الغضب أسهل واللامبالاة أكثر ملاءمة.
وبعد مرور عشر سنوات، تذكرنا لوحة علي بأن السلام شيء يجب علينا رعايته وحمايته يومًا بعد يوم من خلال كلماتنا وعملنا.
هذا هو الإيجار الذي ندفعه.
وهي الهدية التي لا يزال لدى كل واحد منا الفرصة لتقديمها لعالم يتوق إلى السلام.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
