المقال يناقش ثنائية الوعي والجهل، مبينًا أن زيادة الإدراك لا تجلب دائمًا الطمأنينة، بل قد تُثقل القلب لأنها تكشف تقلبات الدنيا وفناءها وما فيها من ألم وفراق. ويطرح مفهوم “التغابي” بوصفه سلوكًا واعيًا وحكيمًا، يقوم على فهم الأمور وتجاوز ما لا يستحق المواجهة، لا على العجز عن الفهم. ويخلص إلى أن الحكمة…
ليس كل ما يدركه الإنسان يسرّه، ولا كل ما يعرفه يمنحه راحة؛ فثمة وعيٌ يفتح العين، لكنه يثقل القلب، ومعرفةٌ تكشف من الحياة ما كان الجهل به أيسر.
يقول ابن المعتز:
«وحلاوة الدنيا لجاهلها
ومرارة الدنيا لمن عقلا»
فالجاهل يرى الدنيا بظاهرها، فيستطيب حلاوتها، أما العاقل فيراها بما فيها من تقلب وفناء وفراق، فيدرك أن لكل فرح نهاية، ولكل اجتماع موعدًا مع الرحيل.
ومن الرجاحة أن تتغابى أحيانًا؛ ففرق بين الغباء والتغابي! وقالت العرب: «المتغابي سيد قومه».
وقال أبو تمام:
«ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي»
فالتغابي ليس عجزًا عن الفهم، بل قدرة على تجاوز ما لا يستحق المواجهة؛ أن تفهم ثم تصمت، وتدرك ثم تتجاوز.
ويقول دوستويفسكي: «أقسم لكم بأغلظ الأيمان أيها السادة أن شدة الإدراك مرض، مرض حقيقي خطير».
وقال سيوران: «الوعي لعنة مزمنة، كارثة مهولة، إنه منفانا الحقيقي، فالجهل وطن، والوعي منفى».
وكأن المعنى ذاته يتكرر: كلما ازداد الإنسان وعيًا، ازدادت قدرته على رؤية ما يؤلم.
وقال المتنبي:
«ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم»
وليس المقصود تمجيد الجهل، وإنما حسن استعمال العقل؛ فليس كل ما نعرفه يستحق أن نقوله، ولا كل ما نفهمه يستحق أن نناقشه.
فالحكمة ليست أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تتغابى وأنت تعلم.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.