يركّز المقال على معنى الأمان بوصفه أكثر من مجرد غياب للخطر، بل حضوراً للطمأنينة في تفاصيل الحياة اليومية، من النوم بلا خوف إلى القدرة على التعبير عن الذات بلا تردد، موضحاً أن ما نراه “عادياً” قد يكون حلماً بعيداً لغيرنا. يشرح مفهوم “الأمان المُدرَك” في علم النفس، ويربطه بعلاقاتنا الأولى مع الأم والأ…
هناك أشياء لا نعرف قيمتها لأنها لم تغب. أن تنام دون أن تترقب صوتاً يخيفك، أن تخرج من بيتك وأنت تعرف أنك ستعود إليه، أن تقول ما تشعر به دون أن تراجع كلماتك عشر مرات قبل أن تنطقها، وأن يكون في حياتك شخص لا تحتاج أمامه أن تبدو أقوى مما أنت عليه. تفاصيل صغيرة نمارسها كل يوم حتى نظن أنها عادية، لكن العادي جداً في حياتنا قد يكون أمنية بعيدة في حياة شخص آخر. ربما لهذا لا ننتبه إلى الأمان حين يكون حاضراً، لأنه لا يصنع ضجيجاً. لا يطرق الباب ليخبرنا أنه وصل، ولا يطالبنا بأن نشكره كل صباح. هو فقط يجعل الحياة تمضي بهدوء، نخطط للغد، نختلف ثم نتصالح، نغادر ثم نعود، ونترك أجسادنا تستسلم للنوم دون أن تبقى أعيننا مفتوحة تحرسنا.
والأمان ليس دائماً باباً محكم الإغلاق، ولا يداً تمسك بأيدينا حين نخاف. أحياناً يكون شخصاً نستطيع أن نكون أمامه كما نحن، وبيتاً لا نشعر فيه أننا ضيوف، وصديقاً لا نحتاج أن نشرح له صمتنا، ووطناً تصبح فيه الطمأنينة جزءاً من تفاصيل أيامنا. وربما أجمل ما يفعله الأمان بنا أننا حين نشعر به… لا نفكر فيه.
فماذا يحدث داخلنا حين نفتقده؟ ولماذا قد يمتلك الإنسان كل أسباب الأمان حوله، ومع ذلك يعيش وكأنه على وشك أن يفقد شيئاً؟ هنا يصبح الأمان أكثر من شعور جميل، يصبح حاجة نفسية، وقصة تبدأ في داخل الإنسان قبل أن تظهر في تفاصيل حياته. وأجسادنا تعرف الأمان جيداً، حتى وإن لم نعرف نحن كيف نصفه. تعرفه في ارتخاء كتفين ظلا مشدودين طويلاً، وفي نَفَس يعود إلى إيقاعه الطبيعي، وفي نوم لا تقطعه اليقظة عند كل صوت، وفي حديث لا يسبقه ذلك السؤال المرهق.. هل أستطيع أن أقول ما أشعر به فعلاً؟
وفي علم النفس، يُستخدم مفهوم “الأمان المُدرَك أو الأمان المحسوس ” للإشارة إلى تجربة الإنسان الداخلية للشعور بأنه آمن ومحمي، وأن بإمكانه اللجوء إلى مصدر موثوق عند الحاجة. وهو مفهوم ارتبط بنظرية التعلّق، فالطفل لا يحتاج فقط إلى وجود من يرعاه، بل إلى أن يشعر أن هذا الشخص متاح له، يستجيب إليه، ويمكن العودة إليه عندما يخاف.
ولعل أجمل ما في هذه الفكرة أن الأمان لا يتعلق فقط بغياب الخطر، بل بحضور الطمأنينة. فقد يكون الإنسان في مكان لا يهدده فيه شيء، ومع ذلك يبقى داخله متأهباً. وقد يعيش وسط أشخاص يحبونه، لكنه يخشى أن يتغير حبهم عند أول اختلاف. وقد يمتلك بيتاً مغلق الأبواب، بينما تظل داخله أبواب كثيرة مفتوحة على القلق.
العقل لا يسأل دائماً..هل أنا في خطر؟ أحياناً يسأل سؤالاً أكثر خفاءً.. إذا حدث شيء… هل سأكون بخير؟ ولهذا لا يُقاس الأمان بعدد الأقفال على الأبواب، ولا بعدد الأشخاص حولنا، ولا حتى بغياب المشكلات من حياتنا. الأمان، في جزء كبير منه، هو أن تعرف أين تعود عندما تهتز الأشياء. قد يكون شخصًا تحبه. بيتاً. وطناً. وقد تكون أنت. فالإنسان لم يُخلق ليكون جزيرة مكتفية بذاتها، كما أن الآخرين لا يستطيعون أن يكونوا له أرضاً ثابتة في كل مرة. بعض الأمان نبنيه في داخلنا، وبعضه يبنيه الآخرون معنا.
وتتغير وجوهه كلما كبرنا. نعرفه أول مرة في حضن أم، طفل لا يعرف شيئاً عن نظريات التعلّق، لكنه يعرف بطريقته الصغيرة أن قربها يعني أن الأمور بخير. ثم نكبر، فيصبح الأمان أباً نشعر أن لنا ظهراً نستند إليه، أو شريكاً نستطيع أن نختلف معه دون أن نشعر أن العلاقة كلها أصبحت مهددة، وأن نقول أمامه.. أنا خائف، أو أنا متعب، دون أن تصبح لحظة ضعفنا سلاحاً يُستخدم ضدنا يوماً. وقد يكون صديقاً لا نقيس معه المسافات بعدد الرسائل. نغيب ثم نعود، فنجد أن الود لم يكن واقفاً عند الباب يحصي أيام غيابنا.
وفي الأسرة شيء من ذلك أيضاً، ليست لأنها قادرة على إصلاح كل شيء، بل لأن بعض الأشياء تصبح أخف حين لا نحملها وحدنا. ثم يأتي الأبناء، فيتغير معهم معنى البيت، وربما معنى الخوف نفسه. وقد يكون الأمان بيتاً، ليس لجدرانه ولا لأبوابه، بل لذلك الشعور الذي يأتينا بمجرد أن ندخله ونخلع معه شيئاً من ثقل اليوم. هناك أماكن نسكنها، وهناك أماكن تسكننا، والفرق بينهما قد يكون شعوراً واحداً.. أنني هنا أستطيع أن أرتاح.
ولا تتوقف دوائر الأمان عند أبواب بيوتنا. فقد يكون الأمان شارعاً نسير فيه مطمئنين، ومدينة نغادرها ونحن نعرف أننا سنعود إليها، ووطناً نذهب فيه إلى أعمالنا ومدارسنا، ونسافر بين مدنه، ونعيش تفاصيل يومنا دون أن نفكر كل صباح في سلامة الأشياء التي اعتدنا وجودها.
وربما هذه واحدة من أكثر صور الأمان خفاءً، أن نعيشه طويلاً حتى يصبح عادياً. أن نضع مواعيدنا للأسبوع القادم، ونخطط لسفر بعد أشهر، ونحلم بما سنفعله بعد سنوات، لأن في داخلنا يقيناً هادئاً بأن الحياة ستستمر. فأمان الوطن لا يمنحنا فقط طمأنينة اليوم، إنه يمنحنا مساحة لنفكر في الغد.
وماذا عن الإنسان الذي كبر وهو لا يعرف جيداً كيف يبدو الأمان؟ ربما لا نصل إليه دفعة واحدة. نتعلمه على مهل. نتعلم أن نفرّق بين ما يخيفنا فعلاً، وما أيقظ فينا خوفاً قديماً، فلا نجعل كل صمت هجراً، وكل اختلاف تهديداً، وكل تغيير مقدمةً لفقدٍ قادم. ونعرف حدودنا، ما الذي نقبله، وما الذي يؤذينا، ومتى نقول “لا”، ومتى نغادر. فالحدود لا تبعد الآخرين دائماً، أحياناً هي التي تجعل اقترابهم أكثر أماناً.
ومع الوقت، نصبح أكثر انتباهاً للعلاقات التي تستنزف جهاز الإنذار داخلنا، تلك التي تجعلنا نفسر كل كلمة، ونراقب كل تغير، ونقرأ ما بين السطور أكثر مما نقرأ السطور نفسها. فالإنسان لا يحتاج إلى من يحبه فقط، بل إلى من يشعر معه أن الحب مكان يمكن الاطمئنان فيه. وفي الطريق نتعلم أن نمنح أنفسنا شيئاً من ذلك أيضاً، أن نثق بقدرتنا على مواجهة ما يتغير، وأن نعرف أن الخوف لا يعني دائماً أن هناك خطراً، وأن اهتزاز شيء في حياتنا لا يعني أن الحياة كلها تهتز.
فالأمان ليس بطولة فردية. لا نصنعه وحدنا، ولا يمنحه لنا شخص واحد. شيء منه في داخلنا، وشيء نجده عند من نحب، وشيء ينتظرنا حين نفتح باب البيت، وفوق كل ذلك وطن تتسع أرضه لكل هذه التفاصيل. وربما لهذا، حين نشعر بأمان عميق مع شخص، نستعير له كلمة أكبر من العلاقة نفسها ونقول.. أنت وطني.
كأن بعض البشر يصبحون أوطاناً صغيرة في قلوبنا. أب، أم، شريك، أبناء، صديق… أسماء مختلفة لذلك المكان الذي نستطيع أن نعود إليه دون خوف. ثم يجمع كل هذه الأوطان وطن أكبر، نحمل داخله أسماءنا، وعائلاتنا، وأصدقاءنا، وذكرياتنا، وأحلامنا التي لم تحدث بعد. ولعل أمان الوطن لا يكمن فقط في أن ننام مطمئنين، بل في أن تبقى لنا هذه الدوائر آمنة، أن نستيقظ فنجد من نحب، ونذهب إلى أعمالنا، ونعود إلى بيوتنا، ونضع خططاً للغد دون أن نفكر في كل مرة إن كان الغد سيأتي كما اعتدناه.
فبعض من نحب نسميهم، مجازاً، وطناً، لكنهم جميعاً… يجمعهم وطن.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.