يرى الدكتور صالح بن علوان الشمراني أن نظام التعليم الجديد في المملكة حقق نقلة مؤسسية مهمة في الحوكمة وتوضيح الأدوار والارتباط بالتنمية، لكنه ركّز على إعادة هندسة إدارة التعليم أكثر من إعادة صياغة فلسفته. ويؤكد أن جوهر الإصلاح يجب أن يتمحور حول تحويل التعليم من منظومة لنقل المعرفة إلى منظومة لصناعة ا…
في وقتٍ ينشغل فيه النقاش حول نظام التعليم الجديد بتفاصيل الحوكمة والصلاحيات والهياكل التنظيمية، يذهب الدكتور صالح بن علوان الشمراني، نائب محافظ هيئة تقويم التعليم والتدريب سابقاً، إلى سؤال أعمق يرى أنه الأولى بالطرح: ما فلسفة التعليم التي يتبنّاها النظام الجديد؟ وهل نُصلح وظيفة التعليم ذاتها أم طريقة إدارتها فحسب؟
وفي مقال خاص بـ«سبق»، يقدّم الشمراني قراءة متأنية للنظام، مُقدّراً ما حمله من نضج مؤسسي وحوكمة أوضح، لكنه يخلص إلى أن النظام «أعاد هندسة إدارة التعليم أكثر مما أعاد صياغة فلسفته»، داعياً إلى تحويل صناعة المعرفة وإنتاجها — لا نقلها وتدويرها — إلى الوظيفة الأولى للمنظومة التعليمية، بوصف ذلك ما سيحدد مكانة المملكة في التنافس العالمي خلال العقود المقبلة. وفيما يلي نص المقال:
هل أصلحنا نظام التعليم… أم أصلحنا طريقة إدارته؟
عندما يصدر نظام تعليمي جديد، ينصبّ معظم النقاش على أسئلة تدور حول تفاصيل إدارة النظام مثل الحوكمة، والصلاحيات، والهيكل التنظيمي، والمسؤوليات وآليات التنفيذ، وغيرها من الجوانب الإدارية التي اعتادت الأنظمة على تضمينها. غير أن الأسئلة التي تدور في هذه النقاشات، على أهميتها الكبيرة جداً، ليست الأكثر حسماً في نوعية وجودة مخرجات أنظمة التعليم. فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح للنقاش أولاً هو: ما فلسفة التعليم التي يتبنّاها النظام التعليمي؟ هل يُنظر إلى التعليم باعتباره مؤسسة لنقل المعرفة وإعادة تدويرها (نظام تقليدي استهلاكي)؟ أم باعتباره منظومة وطنية تؤسس لصناعة المعرفة وإنتاجها (نظام تقدّمي منتج اقتصادياً)؟
من هذه الزاوية، كتبت هذا المقال لتوضيح ما استنتجته من القراءة المتأنية لنظام التعليم الجديد.
ندرك جميعاً أن نظام التعليم الجديد يُعدّ خطوة مؤسسية مهمة جداً ورائعة ويجب اتخاذها. فبهذه الخطوة أصبح النظام التعليمي أكثر نضجاً ووضوحاً في تنظيم الأدوار والمسؤوليات، وأكثر وضوحاً في الحوكمة، وأكثر ارتباطاً بمستهدفات التنمية الوطنية. وهذه، في الحقيقة، تحولات رائعة وتستحق التقدير والإشادة، لأنها تعالج، فعلاً، جوانب كان يحتاجها التعليم، وجوانب تحتاج إلى تحديث منذ سنوات طويلة.
لكن الممارسات المتميزة في بناء أنظمة التعليم تؤكد أن قيمة أي نظام تعليمي تُقاس بقدرته على إعادة تعريف وظيفة التعليم نفسها، وليس فقط بقدرته على إدارة المدارس والمؤسسة التعليمية. وهنا يأتي التساؤل المهم حول نظام التعليم الجديد.
القراءة المتأنية لنظام التعليم تُبيّن أنه أعاد هندسة إدارة التعليم أكثر مما أعاد هندسة وصياغة فلسفة التعليم. فما تزال المعرفة في هذا النظام التعليمي الجديد تظهر باعتبارها شيئاً محورياً يُنقل من جيل لآخر ويُنظّم ويُتقن، أكثر من كونها شيئاً يُصنع ويُنتج ويُطوَّر ويُنافس عليه، باعتباره القيمة الحقيقية لمُخرج النظام التعليمي المأمول. والفرق بين النموذجين ليس فرقاً لغوياً عابراً وبسيطاً؛ وإنما هو فرق جوهري في طبيعة تفكير وشخصيات وسلوك وممارسات الأفراد والمجتمع (المواطن والمقيم) الذي يخرج من كل منهما. فالأفراد والمجتمعات التي تكتفي بنقل المعرفة تستطيع تحسين جودة رأس المال البشري صورياً، لكنها تبقى معتمدة على إعادة تدوير الأفكار التي ينتجها الآخرون. أما الأفراد والمجتمعات التي تجعل صناعة المعرفة وإنتاجها رسالتها المركزية، فإنها لا تكتفي بإعداد موظفين تنفيذيين أكفّاء؛ وإنما تبني باحثين، ومبتكرين، وروّاد أعمال، ومؤسسات تصنع القيمة الاقتصادية قبل أن تستهلكها. ولهذا لا يكفي أن يتحدث النظام التعليمي عن الابتكار، أو البحث العلمي، أو ريادة الأعمال باعتبارها معرفة تتناقل، أو التأكيد عليها بأنها مفاهيم وعناصر داعمة داخل المنظومة التعليمية فقط، ولا يعتبرها القوة التي تعيد تشكيل المنظومة بأكملها.
الفلسفات التعليمية ليست ترفاً معرفياً لتزيين وتنميق وثائق الأنظمة التعليمية بما تذكره في النصوص المتضمنة فيها؛ وإنما هي الفلسفات التي تجعل كامل النظام التعليمي بسياساته وأهدافه وبنوده يدور حولها. فمثلاً، لو كانت صناعة المعرفة وإنتاجها هي المحور الحقيقي للنظام، لتغيّرت مؤشرات النجاح جذرياً، ولأصبح السؤال الرئيس الذي يُطرح على المدرسة: ماذا اكتشف طلابها؟ ولاختفى سؤال: ماذا حفظوا؟ ولأصبحت الجامعة تُقاس بعدد الحلول التي تقدمها للاقتصاد والمجتمع، وليس بعدد الخريجين الذين منحتهم وثائق تخرّج. وقد يكون تمويل المؤسسات التعليمية كالجامعات ومراكزها البحثية مرتبطاً بأثرها البحثي والابتكاري على المجتمع والاقتصاد الوطني، وليس بحجمها أو عدد الأوراق البحثية المنشورة لتدوير المعرفة فقط. وسوف يتحول الفضول العلمي، والتفكير النقدي والابتكار، والقدرة على حل المشكلات، إلى مؤشرات أداء وطنية تُدار كما تُدار المؤشرات الاقتصادية على المستوى الوطني.
الإصلاح الحقيقي للتعليم يبدأ عندما يتغيّر تعريف النجاح في النظام التعليمي. فالنجاح في التعليم المتميّز هو أن يُنتج ويُخرج جيلاً يُضيف معرفة جديدة إلى ما يعرفه العالم الآن، ليكون إسهاماً جديداً في البناء المعرفي، ويبني اقتصاداً متجدداً يعتمد على المعرفة، ولا يقتصر على إعادة تدوير ما يُنتجه العالم في عقول أبنائنا.
لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم للمناقشة والإجابة عنه، هو: هل لدينا فلسفة تعليمية جديدة في نظامنا التعليمي الجديد تبني عقولاً منتجة للمعرفة؟
بالتأكيد يتضمن النظام التعليمي الجديد بنوداً محدّثة من اللوائح التنظيمية، وربما يوجّه إعادة هيكلة المؤسسة التعليمية خلال سنوات بسيطة؛ ولكن يبقى الطموح هو أن يكون النظام التعليمي متمحوراً حول بناء أفراد ومجتمع يُنتج المعرفة. فعندما تصبح صناعة المعرفة وإنتاجها هي الوظيفة الأولى للتعليم بنظامه ومؤسساته، ستتغير تبعاً لذلك وبصورة تلقائية المناهج، وأساليب التقويم، وأدوار المعلمين، ومعايير التمويل للجامعات، والمؤشرات الوطنية لجودة التعليم بوصفه عصباً محورياً ومساهماً رئيساً في الاقتصاد الوطني، لأن المنظومة التعليمية بأكملها ستكون قد انتقلت من الإجابة عن سؤال: كيف ننقل المعرفة بجودة عالية؟ إلى الإجابة عن سؤال أكثر طموحاً، وهو: كيف نصنع المعرفة ونحوّلها إلى منتج اقتصادي وطني؟
ختاماً، هذا التحوّل في النظام التعليمي هو الذي سيحدد مكانة المملكة العربية السعودية مستقبلاً في العقود القادمة؛ فالتنافس العالمي لم يعُد بين من يمتلك المعرفة ويعيد تدويرها بإتقان؛ وإنما بين من يمتلك القدرة على صناعة المعرفة وإنتاجها بالطريقة التي سيحتاجها العالم غداً، وتُحدث فارقاً كبيراً في التنمية الاقتصادية.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
