يدعو المقال إلى استبدال أسلوب الأوامر والنواهي التقليدي في بداية العام الدراسي بمجموعة من الأسئلة العميقة التي تدفع الطالب، صغيرًا كان أو كبيرًا، إلى التأمل في نفسه وتحمل المسؤولية وقيادة ذاته. ينطلق الكاتب من تجربة شخصية مع سؤال لمعلّمة في الصف الأول الابتدائي، ومن مقطع فيديو تربوي حديث، ليؤكد أن ا…
شاهدتُ مقطع فيديو تربويًا، لمحاضر يطلب من كل أم أن تسأل ابنها عدة أسئلة، وقد بيّن الهدف من كل سؤال.
أما دورها فكان بسيطًا: أن تسأل، ثم تُصغي.
فالابن هو الذي يجيب، وهو الذي يفكر فيما ينبغي عليه أن يفعله ويلتزم به. مجرد سؤال، وفي طياته كمٌّ هائل من النصائح التي لم يقلها أحد؛ لا تُلقى عليه جاهزة، بل يفكر فيها، ويكتبها، ويحاول أن يعمل بها أو يقترب منها.
فقلت لنفسي: ولماذا لا يبدأ الطالب صغيرًا كان أم كبيرًا عامه الدراسي هكذا؟ لماذا نستقبله بقائمة أوامر ونواهٍ نعرفها جميعًا عن ظهر قلب؛ ثقيلة، مكررة، يسمعها بأذنه ويغلق دونها عقله؟ لماذا لا نمنحه بدلًا من ذلك بضع أسئلة عميقة، يجلس معها، ويفتش في زواياها، ويكتشف شيئًا من نفسه؟
وأنا شخصيًا أحمل سؤالًا واحدًا منذ كنتُ في الصف الأول الابتدائي. قالت لي معلمتي سعاد رمضان: «هل تساعدينني في الكشف عن الأخطاء الإملائية في دفاتر زميلاتك؟».
كان سؤالًا بسيطًا تطلب به مساعدة طفلة، لكنه أيقظ في داخلي أشياء أكبر من المهمة نفسها: حب المساعدة، والدقة، والتركيز، والشعور بالمسؤولية. ولعلني في تلك اللحظة شعرت، دون أن أعرف كيف أصف ذلك يومها، أنني «المعلمة الصغيرة».
انتهت الدفاتر، وانتهى الصف الأول، ومضت السنوات، لكن السؤال لم ينتهِ.
وهكذا اجتمع أمامي حدثان: فيديو حديث، وموقف قديم لم يغادر الذاكرة. ومنهما جاءت فكرة هذه الأسئلة؛ ليست امتحانًا يُقاس بالدرجات، ولا وصفة ثابتة تصلح لكل عمر، وإنما مقترح تتغير صياغته بحسب عمر الطالب، ويبقى مقصده واحدًا: أن يتعلم النظر في نفسه، والتفكير في اختياراته، وأن يصبح مع الأيام أكثر قدرة على قيادة ذاته.
والسؤال الذي يستدعي التفكير والتأمل ليس غريبًا عن تربيتنا؛ فالقرآن الكريم يوقظ الإنسان بالسؤال، ويردّه إلى نفسه وعقله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]، و﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26]، و﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]. أسئلة تستدعي الإنسان أن يتوقف، وينظر، ويفكر، ويراجع نفسه.
هكذا كانت حصيلة الفكرة اثني عشر سؤالًا، لبداية مختلفة وأثرٍ يبقى. فماذا لو صغناها هكذا؟
1. المراقبة الداخلية: لو كنتَ في موقف لا يراك فيه أحد من الناس، وتذكرتَ أن الله يراك، ماذا ستفعل بشكل مختلف؟
2. القدوة الحية: النبي محمد ﷺ أسوتنا وقدوتنا؛ فكيف تجعل سيرته وهديه رفيقين لقراراتك وأخلاقك مدى الحياة؟
3. تبادل الأدوار: لو جلستَ على كرسي أحد والديك، وطُلب منك — مثلًا — أن تتخذ قرارًا يخص المذاكرة أو تنظيم الخروج من المنزل، فماذا كنت ستقرر لنفسك؟
4. الحصانة الشخصية: لجسدك ونفسك وقيمك حدود تستحق الحماية؛ فكيف تحميها من العبث والتجاوز؟
5. ميزان الصداقة: كيف تكتشف أن صديقك يريد لك الخير حقًا؟
6. قاعدة التعامل: قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»؛ فما الخير الذي تحبه لنفسك وتتمنى أن يكون لغيرك أيضًا؟
7. الشغف والرسالة: لو أُتيحت لك فرصة تقديم حصة واحدة لزملائك ومعلمك، فما الموضوع الذي تود الحديث عنه وتراه يستحق وقتهم؟
8. القيادة الذاتية: حين تخطئ أو تتعثر، ولا يكون بجوارك من يوجهك، كيف تصبح مدربًا لنفسك: تراجعها، وتصوّبها، وتشجعها على المحاولة من جديد؟
9. الوعي المالي: لو كان لديك عشرة آلاف ريال، كيف تتصرف فيها؟
10.المواطنة الصادقة: كيف يمكن أن تحمي وطنك وتبنيه من مكانك؟
11. التأمل والجمال: الكون متحف مفتوح؛ فبأي عين تراه؟ وما الذي يدهشك فيه؟
12. حراسة المنافذ: قلبك وعاء، وعقلك كالإسفنجة؛ فبماذا تملأ قلبك، وما الأفكار التي تسمح لعقلك أن يمتصها؟
وليست الغاية أن يجيب الطالب عن هذه الأسئلة جميعًا في جلسة واحدة، ولا أن نلقنه الإجابات التي نريد سماعها؛ فحين نضع الإجابة في فمه نكون قد عدنا إلى النصيحة نفسها.
يكفي أن نضع السؤال أمامه، ونمنحه مساحة ليفكر ويجيب.
ولا ننكر أهمية التوجيه والنصيحة، لكننا نريد للطالب صغيرًا كان أم كبيرًا أن يكون شريكًا في صياغتهما؛ فالسؤال يفتح في عقله حوارًا هادئًا، يقلب فيه الخيارات، وينتقي منها ما يقتنع به.
وما يصل إليه الإنسان بنفسه يكون أرسخ في نفسه، وأدعى إلى أن يتمسك به ويسعى إلى تحقيقه.
وما زلت، بعد كل هذه السنين، أحمل سؤال معلمتي: «هل تساعدينني؟». وها هو مقطع فيديو عابر يعيده إلى ذاكرتي، ويقودني إلى كتابة هذا المقال.
فمن يدري؟ ربما يبدأ الأمر بسؤال صغير، ثم تكبر إجابته مع الإنسان، وتمتد أبعد مما تخيّل من سأله.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
