كشفت دراسة طويلة الأمد شملت 1712 مشاركًا على مدى 24 عامًا أن الإفراط في مشاهدة التلفاز في منتصف العمر يرتبط بتغيرات دماغية سلبية تشبه المراحل المبكرة لألزهايمر، خاصة لدى الرجال، بينما لم يُظهر الجلوس الطويل في العمل المكتبي التأثير نفسه، ما يبرز خطورة النشاط الذهني السلبي أمام الشاشة.
تتبع باحثون أكثر من 1700 شخص على مدى 24 عاماً، واكتشفوا أن المشكلة ليست في الجلوس بحد ذاته، بل فيما يفعله الشخص أثناء جلوسه. فمشاهدة التلفاز نشاط ذهني سلبي لا يُحفّز الدماغ على التفكير أو التخطيط أو حل المشكلات، في حين أن العمل المكتبي رغم خموله الجسدي يتضمن أنشطة ذهنية نشطة تبني ما يُعرف بـ”الاحتياطي المعرفي”.
وأظهرت النتائج فارقاً لافتاً بين الجنسين؛ إذ كان الرجال الذين شاهدوا التلفاز كثيراً في منتصف العمر يمتلكون أحجاماً دماغية أصغر في المناطق المعرضة للإصابة بألزهايمر، إلى جانب تلف أكبر في أنسجة الدماغ المرتبطة بالتدهور المعرفي والخرف. في المقابل، لم تظهر هذه النتائج لدى النساء بالحدة ذاتها.
وأوضح عالم الأحياء ناتان فيتر من جامعة جنوب كاليفورنيا: “وجدنا أن الروابط بين مشاهدة التلفاز وبنية الدماغ كانت أقوى بكثير لدى الرجال، وقد يعود ذلك إلى اختلافات في طريقة تراكم وقت الجلوس، أو إلى اختلافات بيولوجية في استجابة الدماغ للسلوك الخامل المطوّل”، وفقاً لـ”ساينس ألرت”.
وتشير دراسات سابقة إلى أن النساء يميلن إلى مشاهدة برامج أقصر مدةً، بينما يميل الرجال إلى متابعة الرياضة والأفلام في جلسات طويلة متواصلة. كما قد تؤدي الاختلافات الهرمونية ومسؤوليات رعاية الأطفال واختلافات الشيخوخة بين الجنسين دوراً في هذه النتيجة.
وأكد عالم الأحياء ديفيد رايشلين من الجامعة ذاتها: “لسنوات ركزنا على مقدار الجلوس، غير أن نتائجنا تشير إلى ضرورة الانتباه أيضاً إلى ما يفعله الناس أثناء جلوسهم”.
وجاءت بيانات الدراسة من 1712 مشاركاً ضمن دراسة تصلب الشرايين في المجتمعات (ARIC) طويلة الأمد. كان المشاركون في أوائل الخمسينيات من أعمارهم عند التسجيل في أواخر الثمانينيات، وبعد نحو 24 عاماً خضعت أدمغتهم للتصوير بالرنين المغناطيسي حين بلغوا منتصف السبعينيات.
وركّز الباحثون على منطقتين رئيسيتين: مناطق الدماغ المعرضة للتغيرات المبكرة في ألزهايمر، ومناطق فرط كثافة المادة البيضاء بوصفها علامةً على أمراض الأوعية الدموية الدماغية الصغيرة المرتبطة بالتدهور المعرفي. ووجدوا أن الأشخاص الذين يجلسون “دائماً” أثناء العمل كان لديهم آفات مادة بيضاء أقل وأحجام دماغية أكبر، مقارنةً بمن شاهدوا التلفاز بكثرة.
ولفت الباحثون إلى أن ممارسة الرياضة وحدها لا تعوّض التأثير السلبي لمشاهدة التلفاز على الدماغ، إذ أخذوا في الحسبان الاختلافات في النشاط البدني الإجمالي ولم يتغير ذلك من النتائج.
وأقرّ الباحثون بجملة من القيود، أبرزها اعتماد الدراسة على بيانات أبلغ عنها المشاركون بأنفسهم، وعدم إمكانية إثبات علاقة سببية مباشرة، فضلاً عن عوامل لم تُؤخذ في الحسبان كتناول الوجبات الخفيفة أثناء المشاهدة أو الاستلقاء أمام الشاشة.
وخلص الباحثون إلى أن الأنشطة التي تُحفّز الدماغ أثناء الجلوس -كحل الألغاز والأعمال اليدوية والكتابة- قد تُقلل من التأثير السلبي على الدماغ، مؤكدين الحاجة إلى مزيد من البحث لتأكيد ذلك.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
