ومن المقرر أن تجري حماس جولة إعادة حاسمة الأسبوع المقبل لاختيار رئيس مكتبها السياسي الجديد. وهذا سيكمل عملية انتقالية معقدة بدأت لملء الشواغر القيادية التي خلفتها اغتيالات إسرائيل لبعض كبار الشخصيات في الجماعة، مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار.
ويمثل التصويت المرتقب منعطفا حاسما للجماعة الفلسطينية وهي تحاول تجديد نفسها، حتى وهي تواجه الحرب الإسرائيلية المستمرة.
وبحسب مصدر في حماس، فإن الاقتراع الداخلي لاختيار رئيس قد تقلص إلى ما يرجح أن يكون منافسة متقاربة بين الزعيم السياسي السابق لحماس خالد مشعل ونائب الرئيس السابق خليل الحية.
وسيحل الفائز محل المجلس الانتقالي الحالي، الذي تولى السلطة بعد اغتيال السنوار في غزة في أكتوبر 2024. وبعد ذلك، سيستمر الزعيم الجديد حتى عام 2027، عندما من المقرر إجراء انتخابات جديدة.
وبموجب القواعد الداخلية لحماس، يتعين على المرشح أن يحصل على الأغلبية المطلقة بنسبة 50% بالإضافة إلى صوت واحد داخل مجلس الشورى ـ الهيئة الاستشارية للحركة ـ حتى يتمكن من الفوز بالقيادة بشكل مباشر. ولأن أياً من المرشحين لم يحقق هذه العتبة خلال الجولات الأولية، فمن المقرر إجراء انتخابات إعادة الأسبوع المقبل لكسر الجمود.
وأوضح المصدر أنه وفقًا لإطار عام 2021، يجب أن يضم أعلى منصبين قياديين ممثلًا عن منطقة غزة – وهي إحدى المناطق الجغرافية الثلاث التي تنقسم إليها حماس، والمنطقتان الأخريان هما الضفة الغربية والشتات. ولذلك، إذا لم يتمكن الحية، الذي يمثل غزة، من تأمين القيادة في جولة الإعادة، فمن المتوقع أن يتم تعيينه نائباً للرئيس السياسي.
التغيير في العملية
وقال مصدر ثان من حماس للجزيرة إن الحركة اضطرت إلى التخلي عن عملية التصويت المعتادة، والتي تنطوي على مشاركة القاعدة الشعبية بأكملها. وبدلا من ذلك، لم تتمكن سوى مجموعة أضيق من التصويت في انتخابات المكتب السياسي، من أجل استكمال الفصل الانتخابي الحالي، الذي بدأ عام 2021.
وأوضح المصدر أن التحديات الأمنية التي فرضتها الحرب، إلى جانب الأولوية الملحة لملء الشواغر في مجلس شورى الجماعة الناجمة عن مقتل عدد من أعضائها، أدت إلى تأخير اختيار القيادة. وعلى الرغم من تلك التحديات، نفى المصدر التقارير التي تتحدث عن التحول نحو هيكل قيادي سري أو جماعي، مؤكدا أن هوية الرئيس المنتخب الجديد سيتم الإعلان عنها رسميا وعلنيا بمجرد الانتهاء من التصويت.
وأكد كلا المصدرين من حماس أنه بغض النظر عن نتائج الأسبوع المقبل، فمن المقرر أن تبدأ الاستعدادات لإجراء انتخابات شعبية شاملة في جميع المناطق التقليدية الثلاث في العام المقبل، رهنًا بالظروف الأمنية السائدة.
وقال المحلل السياسي الفلسطيني عبد الله عقرباوي لقناة الجزيرة إن تلك الديناميكيات الداخلية لم يعد من الممكن النظر إليها على أنها شؤون مغلقة لمجموعة محلية. منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، برزت حماس كلاعب إقليمي مركزي يتردد صدى قراراته إلى ما هو أبعد من الساحة الفلسطينية، مما يشكل بشكل مباشر الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بأكمله. ونتيجة لذلك، أشار العقرباوي إلى أن انتقال قيادة حماس أصبح موضع تدقيق إقليمي ودولي مكثف.
المرونة المؤسسية
وينطلق الإطار الانتخابي الحالي من الانتخابات العامة الداخلية التي ستجريها حماس مطلع عام 2021، حيث تم اختيار هنية رئيسا عاما للمكتب السياسي، فيما أعيد انتخاب السنوار لقيادة قطاع غزة، واختير مشعل لرئاسة جناح الحركة في الشتات في الخارج.
واجه هذا الهيكل المؤسسي اضطرابًا غير مسبوق في أعقاب اندلاع الحرب، التي شهدت استهداف إسرائيل لمستويات متعددة من قيادات حماس السياسية والعسكرية. وفي تموز/يوليو 2024، اغتيل الزعيم السياسي هنية في طهران، مما دفع مجلس شورى الحركة إلى تسمية السنوار خلفاً له في آب/أغسطس 2024. وبعد وفاة السنوار أثناء اشتباك مع القوات الإسرائيلية في رفح في تشرين الأول/أكتوبر 2024، تكيفت الجماعة من خلال إنشاء مجلس قيادة حاكم مؤقت من خمسة أعضاء للتعامل مع الحكم والمفاوضات في زمن الحرب. ومنذ ذلك الحين، ترأس هذه اللجنة الانتقالية اسميًا المسؤول المقيم في قطر محمد درويش.
وعلى الرغم من هدف إسرائيل المعلن المتمثل في تفكيك جهاز القيادة والسيطرة التابع لحماس، فإن الطبيعة المنظمة لهذا التحول تسلط الضوء على شبكة الأمان التنظيمية العميقة التي تتمتع بها الحركة.
وقال المحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة لقناة الجزيرة إن الهيكل التنظيمي لحماس يعمل على نحو أشبه بالعملية البيولوجية “للانقسام الانقسامي” – حيث تنقسم خلية واحدة لتكوين خليتين متطابقتين. في أوقات الأزمات، تؤدي إجراءات الطوارئ والخطط الاحتياطية الموجودة مسبقًا إلى تحفيز الطبقات الإدارية والقيادية الثانوية لتولي السيطرة تلقائيًا.
وشدد عفيفة على أنه في حين أن الشخصيات البارزة والكاريزمية لا يمكن استبدالها، فإن بقاء المؤسسة نفسها لا يرتبط أبدًا بفرد واحد، مما يسمح للمجموعة باستيعاب صدمات غير مسبوقة.
متفقاً مع هذا التقييم، لاحظ العقرباوي أن إصرار الحركة على الالتزام الصارم بلوائح التصويت واللوائح الخاصة بها تحت نيران الحرب المستمرة يعكس نزعة مؤسسية عميقة الجذور.
وأضاف أنه بدلا من اللجوء إلى التعيينات السريعة أو المراسيم التوافقية، اختارت المجموعة عملية التصويت. وبحسب العقرباوي، فإن المنافسة النشطة بين زعيمين مختلفين تظهر نقاشًا داخليًا صحيًا حول التوجهات السياسية والاستراتيجية للحركة خلال لحظة حاسمة.
تحول في مركز صنع القرار
ومع ذلك فقد فرضت الحرب تعديلات هيكلية على الطريقة التي تحكم بها حماس نفسها. وأشار عفيفة إلى أن الاستهداف المكثف لقادة حماس العسكريين منذ فترة طويلة داخل قطاع غزة أدى إلى تفويض لا مفر منه للسلطة.
ولضمان الاستمرارية، مُنحت القيادة السياسية في الخارج صلاحيات واسعة لاتخاذ قرارات استراتيجية. ويسمح تفويض السلطة هذا للقادة الخارجيين بإدارة المناورات الدبلوماسية والسياسية متحررين من الضغوط التكتيكية المباشرة في ساحة المعركة.
وقد استمر هذا المحور الخارجي رغم التهديدات المباشرة. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، شنت إسرائيل هجوماً على مجمع سكني في الدوحة استهدف شخصيات بارزة في حماس، رغم نجاة قيادته. وأشار عفيفة إلى أنه في حين كانت القيادة الجماعية حاسمة لبناء الإجماع الداخلي خلال هذه المرحلة الانتقالية، فإن تاريخ حماس يشير إلى أن القيادة الفردية القوية والكاريزمية تظل حيوية لاتخاذ إجراءات حاسمة خلال نقاط التحول التاريخية الكبرى.
الآثار الدبلوماسية وما بعد الحرب
ومن المتوقع أن تحدد نتيجة التصويت الإدارة التنظيمية لمفاوضات وقف إطلاق النار. وفي حين كان الحية منخرطاً بشكل كبير باعتباره المفاوض الرئيسي لحماس الذي يعمل انطلاقاً من مراكز إقليمية مثل قطر، فقد ظل مشعل إلى حد كبير خارج هذه الملفات الدبلوماسية المباشرة خلال العام الماضي.
وبحسب المصدر الثاني، فإنه في حال فوز الحية بالرئاسة، فقد يتم إدخال تغييرات هيكلية على اللجان التي تتولى محادثات وقف إطلاق النار. ومع ذلك، إذا تم انتخاب مشعل، فإن إطار المفاوضات سيستمر كما هو منظم حاليًا، مع احتفاظ الحية بإشرافه المباشر على ملف غزة وفريق التفاوض الأوسع. وفي نهاية المطاف، فإن أي تعديل محتمل أو تعديلات استراتيجية للفريق الدبلوماسي ستظل خاضعة لتقدير الرئيس القادم.
وبالنظر إلى المستقبل، سيواجه الزعيم القادم مهمة شاقة تتمثل في إدارة عملية إعادة الإعمار بعد الحرب والعلاقات مع الفصائل الفلسطينية الأخرى، مثل فتح. وخلص العقرباوي إلى أن الأولوية الأساسية والملحة للقيادة القادمة يجب أن تكون الحفاظ على المكاسب الجيوسياسية للمقاومة الفلسطينية مع حماية النسيج الإنساني والاجتماعي لقطاع غزة. وحذر العقرباوي من أن تغيير الاتجاه أو إظهار علامات التراجع في منتصف المعركة سيكون له نتائج عكسية في وقت تشير فيه الديناميكيات الإقليمية إلى أن إسرائيل تكافح بشكل متزايد لفرض إرادتها العسكرية.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
