يؤكد المقال أنّ الإنسان يعيش بين “واقع” يرضخ له و”ممكن” يستطيع بلوغه، وأنّ الفاصل بينهما قرار واعٍ وإرادة قوية لا تعرف الكسل ولا التسويف. ويشير إلى أنّ الأفراد والأسر والمؤسسات كثيرًا ما تملك الموارد والفرص لكنها تبقى أسيرة أوضاعها بسبب خوف التغيير وضعف العزيمة، مقابل آخرين بموارد محدودة يحققون إنجا…

كلنا ندرك أننا نعيش بين عالمين متوازيين، الأول هو عالم الواقع الذي نعيشه اليوم، والثاني هو عالم الممكن الذي نستطيع بقدراتنا وبما منحنا الله من إمكانات ومواهب أن نصل إليه بتوفيق الله.

بين عالم الواقع وعالم الممكن مسار مكون من أمرين الأول هو القرار والثاني هو الإرادة. مهم أن نؤمن بأن ليس كل واقع هو واقع لا يمكن تغييره ، وليس كل ممكن يصعب تحقيقه، وإنما المسافة بينهما تكمن في قرار صادق وإرادة قوية لا تعرف الاستسلام أو التراجع. والدي غفر الله له وجميع موتى المسلمين كان يقول إذا كان لدى الإنسان رغبة قوية لتحقيق هدف محدد فلا يوجد ما يمنعه إلا التراخي والكسل وضعف الهمة..

كثير من الناس يشتكون من أوضاعهم المعيشية أو مستواهم المعرفي أو أمورهم الوظيفية أو الصحية، ويتمنون حياة أفضل، لكنهم يكتفون بالتمني والشكوى والتذمر والحديث في المجالس دون أن يتحركوا نحو التغيير.

والمؤلم أن كثيرا منهم لديه الإمكانات والقدرات والمواهب، بل ويمتلك المعرفة والوقت والفرص والدعم، ومع ذلك يبقى سجينا في واقعه، والسبب الوحيد أنه لم يتخذ القرار الذي ينقله إلى عالم الممكن. فالكتب متاحة، ومنصات التعلم والدورات متوفرة، وأهل الخبرات يحيطونه، والفرص قائمة، لكن غياب الإرادة وضعف العزيمة يجعل كل تلك الكنوز الموجودة بلا قيمة.

إن الواقع ليس دائمًا انعكاسًا لقدرات الإنسان، بل قد يكون انعكاسًا لقراراته وصورته الذهنية السلبية عن نفسه ومجتمعه.

كثير من الطاقات ضاعت، وكثير من الأحلام توقفت، ليس بسبب ضعف الإمكانات، وإنما بسبب ضعف العزيمة، والخوف من التغيير، وتأجيل قرار الخطوة الأولى. ولهذا نجد أشخاصًا بموارد وإمكانات محدودة حققوا إنجازات عظيمة، بينما بقي آخرون يملكون كل وسائل النجاح في المكان نفسه سنوات طويلة دون أي تقدم يُذكر.

ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل يمتد إلى المنظمات والمؤسسات. فكل منظمة لها واقع تعيشه، ولها مستوى أعلى يمكن أن تصل إليه. بعض المؤسسات تكتفي بما حققته خلال السنوات الماضية، وترفض التطوير بحجة أن الأمور تسير بشكل مقبول وتعيش تلك المنظمات وفق منهج ( حافظ على قردك لا يجيك ما هو أقرد منه ).

المؤسسات الناجحة لا تنظر إلى واقعها على أنه نهاية الطريق، بل تعتبره نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل. إنها تؤمن بأن الجودة، والابتكار، وتحسين الأداء، ليست رفاهية، وإنما قرارات استراتيجية تقودها إرادة جماعية نحو التميز. كل سنة تزيد من مستهدفاتها وترفع من طموحاتها وتعيش على قول الشاعر ..
التفاؤل ينقلك من طموح إلى طموح
والتشاؤم يحذف ابن آدم وأحلامه ورا..

وفي الحياة الأسرية يتكرر نفس الواقع المؤلم. فهناك أسر رضيت بواقع يمتلئ بالملل وضعف الحوار وكثرة الخلافات، رغم أن بإمكانها أن تعيش حياة أكثر دفء واستقرار.
فابتسامة صادقة، وكلمة تقدير، وحوار هادئ، ووقت يجتمع فيه أفراد الأسرة، كلها أمور ممكنة لا تحتاج إلى إمكانات مالية كبيرة، وإنما تحتاج إلى محبة وألفة وقرار صادق، ورغبة حقيقية لعيش حياة أجمل.

إن أسوأ ما يفعله الإنسان بنفسه أن يقلل من قدراته، أو يقنع نفسه بأن التغيير مستحيل، بينما الحقيقة أن الله منحه الطاقات الهائلة والقدرات العظيمة، وفتح أمامه الأبواب الواسعة للنمو والتطور. ومن الحكمة أن ننظر إلى واقعنا بصدق، لكن دون أن نستسلم له ودون أن نقلل من شأن أنفسنا، يجب أن ننظر إلى الممكن بكل أمل وتفاؤل وحسن ظن بالله ثم بأنفسنا ومجتمعنا، ثم نتحرك نحو ذلك الممكن بخطوات واثقة.

مهم أن يسأل كل منا نفسه..هل ما أعيشه اليوم هو أفضل ما أستطيع الوصول إليه؟ أم أن هناك واقعًا أجمل ينتظر قرارًا شجاعًا وإرادة قوية؟

إن الحياة لا تتغير بالأمنيات، وإنما تتغير حين نؤمن بالله ثم بإمكاناتنا، ونحسن استثمارها، ونتوكل على الله ونقرر أن ننتقل من سجن الواقع إلى سماء الممكن.

حسن آل عمير


اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading