لقد أصبحت المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة الاختبار الأكثر وضوحاً للمصداقية الأوروبية، على مستوى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، وأي التزام جاد بإنهاء الصراع في فلسطين والتوصل إلى حل دائم.
استمرت انتهاكات حقوق الإنسان من قبل السلطة القائمة بالاحتلال منذ نكبة عام 1948، واتخذت على مدى السنوات الثلاث الماضية شكل حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي في غزة. والسؤال المطروح على صناع القرار في الاتحاد الأوروبي هو ما إذا كانوا جادين في الدفاع عن حل الدولتين الذي أقروه مرارا وتكرارا، والذي يتطلب إنهاء الاحتلال برمته وجميع ممارساته.
وقد اكتسب هذا الاختبار إلحاحا جديدا منذ أن نشرت دائرة العمل الخارجي الأوروبي، وزارة الخارجية الفعلية للاتحاد الأوروبي، تقريرها السنوي لعام 2025 في 17 يوليو/تموز 2026.
وتقدم الوثيقة أدلة مفصلة على أن بناء المستوطنات جزء من مشروع سياسي إسرائيلي مركزي ومتكامل، وليس مجرد مسألة توسع ديمغرافي. يجمع المشروع بين بناء المستوطنات، وإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية، ومصادرة الأراضي، وعنف المستوطنين، وتغييرات في أنظمة الحكم والإدارة، مما يخلق ما وصفه التقرير بأنه مسار متسارع نحو الضم الفعلي وزيادة تآكل احتمالات قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ووفقاً لمعايير الاتحاد الأوروبي، فإن مثل هذا الوصف لابد أن يدفع واضعيه إلى التوصية باتخاذ تدابير رادعة ضد هذا المشروع غير القانوني.
ويتناول التقرير تفاصيل الإجراءات الإسرائيلية التي ترقى، بكل قراءة عادلة، إلى مستوى العدوان الصارخ على الحقوق الفلسطينية. ويشير إلى أنه في عام 2025 وحده، وافقت الحكومة الإسرائيلية على بناء 54 مستوطنة رسمية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، باستثناء القدس الشرقية، وهو رقم غير مسبوق في عام واحد، وأنشأت 86 بؤرة استيطانية جديدة، بما في ذلك 58 بؤرة استيطانية زراعية ورعوية. كما أنها تسجل خططًا لبناء 63,311 وحدة سكنية استيطانية، منها 27,941 وحدة سكنية في الضفة الغربية و35,370 مغطاة بـ 56 خطة في القدس الشرقية، أي أكثر من ضعف الرقم القياسي السابق المسجل في عام 2023 وقفزة هائلة من عام 2018، عندما تم تقديم 11,513 وحدة فقط.
ووفقاً لخدمة العمل الخارجي الأوروبي، فإن النتيجة المنطقية لهذا المشروع هي تجزئة الضفة الغربية، وفصل شطريها الشمالي والجنوبي، وعزل القدس الشرقية عن بقية الأراضي الفلسطينية. وسوف تقتصر المجتمعات الفلسطينية على جيوب منفصلة ومطوقة ومحاصرة، مما يجعل إنشاء دولة فلسطينية أمراً غير محتمل إلى حد كبير. ومع ذلك فإن هذه الحالة المرتقبة تشكل أهمية مركزية بالنسبة للإطار الرسمي للاتحاد الأوروبي لحل الصراع. منذ الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، عبارات قليلة تكررت في كثير من الأحيان من قبل السياسيين الأوروبيين أكثر من “حل الدولتين كأساس لإنهاء الصراع”.
ويعزز التقرير الرواية الفلسطينية بأن الصراع لم يبدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023. فقد سيطرت حرب الإبادة الجماعية والدمار واسع النطاق في غزة على الاهتمام الدولي منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. لكن وثيقة خدمة العمل الخارجي الأوروبي تكشف أيضًا مدى الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، حيث لا يمكن مقارنة المقاومة المسلحة من حيث الحجم بتلك الموجودة في غزة. خلال الفترة نفسها، واجهت الضفة الغربية نمطًا مختلفًا من العدوان: مصادرة الأراضي، وتهجير السكان، والتجزئة الجغرافية، وفرض السيطرة على المستوطنات كأمر واقع.
ويقترب عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية من 800 ألف مستوطن، وهي كتلة حرجة تم دمجها من خلال البنية التحتية الواسعة في البنية المؤسسية للاحتلال الإسرائيلي. ومن أجل ترسيخ وجودهم غير القانوني، يستخدم المستوطنون العنف العلني ضد الفلسطينيين تحت الحماية الكاملة والواضحة للجنود الإسرائيليين. ويأتي العنف الجسدي المباشر على رأس قائمة الأساليب المستخدمة لفرض هذا النظام غير القانوني.
إن الرد الأوروبي على هذه الحقائق، والذي أصبح واضحاً الآن أمام صناع القرار على مستوى الاتحاد الأوروبي والمستوى الوطني، لا يتناسب على الإطلاق مع حجم التصرفات الإسرائيلية ويعجز عن تحقيق الردع الحقيقي. وقد يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن فقط على المستوى الأدنى، مع تطبيق تسمية “العقوبات” دون إجبار إسرائيل على إعادة النظر في المشروع الاستيطاني نفسه.
وفي 28 مايو 2026، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أربعة كيانات وثلاثة أفراد من المستوطنين والمنظمات الداعمة لهم. وتضمنت الإجراءات تجميد الأصول، وحظر إتاحة الموارد الاقتصادية لهم، وحظر السفر على الأفراد. في 13 يوليو/تموز 2026، ناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خيارات إضافية لتقييد التجارة مع المستوطنات، بما في ذلك الحظر الكامل أو الجزئي على واردات المستوطنات، وتشديد تراخيص التصدير والتعريفات الجمركية المحتملة. واعترفت كاجا كالاس بأن سياسة التمايز الحالية، التي تعامل المستوطنات بشكل مختلف عن إسرائيل، فشلت في الحد من التجارة معها لأن التنفيذ يختلف بين الدول الأعضاء.
وعلى المستوى الوطني، سنت أيرلندا تشريعا في 23 يوليو 2026، يقضي بحظر استيراد البضائع من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. في بلجيكا، وافقت الحكومة على مشروع مرسوم ملكي في 18 يوليو/تموز 2026، يُخضع البضائع القادمة من المستوطنات لنظام وطني خاص من التراخيص والمراقبة والعقوبات، وتنفيذ قرارها السابق بوقف واردات المستوطنات في انتظار اتخاذ إجراء شامل على مستوى الاتحاد الأوروبي. وهذا يمثل تقدما قانونيا وسياسيا. من جهتها، أصدرت هولندا قرارا بعقوبات اقتصادية في 21 يوليو 2026، يستهدف بضائع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي التي تحتلها إسرائيل، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 22 سبتمبر 2026.
ومع ذلك، فإن السياسة الأوروبية الحالية تبدو في الإجمال أشبه بإدارة مشكلة المستوطنات أكثر من كونها دفاعاً حقيقياً عن الحقوق الفلسطينية أو حتى الحفاظ على التزامها بحل الدولتين. ويبدو أن الدافع وراء ذلك هو الإحراج الناجم عن حجم الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في غزة، والضغوط الشعبية الهائلة في الشوارع الأوروبية، والسوابق التي وضعتها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، والتي تعمل على إعادة تشكيل الحسابات الانتخابية في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي. ولذلك تظل التدابير خجولة وغير كافية.
ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات تحت تصرفه أقوى بكثير من تلك التي اختار استخدامها. وتمنح اتفاقية الشراكة مع إسرائيل امتيازات تجارية واقتصادية وسياسية وعلمية واسعة النطاق. وتنص المادة الثانية على أن العلاقات بين الأطراف وجميع أحكام الاتفاقية تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية كعناصر أساسية. وعلى هذا الأساس، تستطيع أوروبا أن تفرض حظراً موحداً على التجارة مع المستوطنات؛ وتوسيع العقوبات لتشمل أولئك الذين يمولون ويديرون ويحمون البؤر الاستيطانية؛ منع الشركات المتواطئة في النشاط الاستيطاني من الوصول إلى أسواق الاتحاد الأوروبي وتمويله وبرامجه؛ وتشديد القيود المصرفية والاستثمارية؛ وربط امتيازات إسرائيل بمعايير واضحة لوقف التوسع الاستيطاني والعنف والتهجير القسري. وقال كالاس إن الرأي القانوني لمجلس الاتحاد الأوروبي يسمح بتبني التدابير المتعلقة بالتجارة من خلال تصويت الأغلبية المؤهلة، مضيفًا أن الاتحاد يمكنه التحرك إذا كانت هناك إرادة سياسية.
يمكن لإسرائيل أن تستوعب إجراءات معزولة وأحادية الجانب تتخذها دول منفردة. أما ما لا تستطيع استيعابه بسهولة فهو السياسة الجماعية التي يتبناها الاتحاد الأوروبي، شريكه التجاري والسياسي الرئيسي. والهدف ليس رفض المبادرات الوطنية، بل ترجمتها إلى موقف على مستوى الاتحاد الأوروبي يحول المستوطنات والمستوطنين من أصول إلى عبئ ثقيل على الاحتلال.
ويستطيع الساسة الأوروبيون أيضاً أن يستفيدوا من الضغوط الشعبية الهائلة التي برزت ضد إسرائيل وسياساتها خلال حرب الإبادة الجماعية. وقد اتخذ هذا الضغط شكل مظاهرات وأعمال متواصلة: أكثر من 50 ألف احتجاج وحدث في أكثر من 25 دولة في أوروبا الغربية ونحو 800 مدينة. كما تم التعبير عن ذلك من خلال مبادرة المواطنين الأوروبيين رقم 2025/000005، التي تدعو إلى التعليق الكامل لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. أغلق المنظمون حملة التوقيع في 15 يوليو 2026، قبل حوالي ستة أشهر من الموعد النهائي الرسمي، بعد جمع حوالي 1.3 مليون توقيع من مواطني الاتحاد الأوروبي. ووفقا للحملة، فقد حققت المبادرة العتبة الوطنية في 14 من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة، وهو ضعف الحد الأدنى المطلوب وهو سبعة.
ولم يطالب الموقعون ببيان إدانة آخر أو موقف إنساني غامض؛ وطالبوا بخطوة سياسية واقتصادية ملموسة تضرب جوهر علاقة الاتحاد الأوروبي بإسرائيل.
مسؤولية فلسطينية موازية
إن أزمة المصداقية في أوروبا لا تعفي اللاعبين السياسيين الفلسطينيين من مسؤولياتهم. إن الهدف الوطني الفلسطيني يتجاوز الاستيطان إلى إنهاء الاحتلال برمته. ومع ذلك فإن المستوطنات تشكل قضية ملموسة، حيث يوفر الموقف الرسمي للاتحاد الأوروبي بشأنها فرصة لممارسة ضغوط فلسطينية فعالة وتحقيق مكاسب ملموسة، ولو جزئية. إن مواجهة مشروع الضم والاستيطان الممنهج تتطلب إصلاحاً داخلياً جدياً، واستراتيجية وطنية تربط المقاومة بالعمل السياسي والقانوني والدبلوماسي، والقدرة على تسخير التحول في الرأي العام الأوروبي.
وفي حين لا يوجد إحصاء رسمي رسمي، فإن مؤتمر الفلسطينيين في أوروبا يقدر أن ما لا يقل عن 800 ألف فلسطيني يعيشون في جميع أنحاء القارة. ونظراً للحريات والموارد اللوجستية والحدود المفتوحة المتاحة، فمن الممكن إجراء انتخابات بين هذه الشريحة المهمة من الشعب الفلسطيني وإنتاج هيئة تمثيلية قادرة على ممارسة الضغط على دول الاتحاد الأوروبي. وينطبق المنطق نفسه على المجتمعات الفلسطينية في الأمريكتين ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، بما في ذلك أستراليا ونيوزيلندا.
فالمشروع الإسرائيلي الشامل لا يمكن أن يواجهه واقع فلسطيني مجزأ. ولا يمكن للتدابير الوطنية المعزولة أن تحل محل الاستجابة الأوروبية الجماعية. ولهذا السبب فإن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإجراء انتخابات حقيقية للمجلس الوطني الفلسطيني، وتجديد الولايات السياسية، وتبني الشراكة بدلاً من احتكار عملية صنع القرار، هي أكثر من مجرد شؤون داخلية. وهي مرتبطة بشكل مباشر بقدرة الفلسطينيين على إنتاج قيادة شرعية تمثيلية يختارها الشعب الفلسطيني في الوطن وفي الشتات.
إن الانقسام الفلسطيني الداخلي لا يفسر الاحتلال أو يبرر التوسع الاستيطاني، ولكنه يضعف قدرة الفلسطينيين على ترجمة التقارير الأوروبية، والتحولات في الرأي العام والفرص القانونية إلى مكاسب سياسية ملموسة.
وفي هذا السياق المتغير، يحتاج الشعب الفلسطيني إلى قيادة وطنية قادرة على فهم التحولات السياسية والشعبية الدولية، والاستفادة منها بشكل فعال، وتوظيفها في خدمة قضيته ونضاله من أجل التحرير والعودة وتقرير المصير.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
