أدى إعلان رئيس المجلس القيادي الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، استئناف صادرات النفط اعتبارًا من 20 يوليو/تموز بعد توقف بدأ أواخر عام 2022، إلى إحياء الأمل في استعادة أهم مصدر للعملة الأجنبية للحكومة اليمنية. إن الحكومة، التي تكافح اقتصادياً وتواجه استمرار سيطرة المتمردين الحوثيين على شمال غرب اليمن، تحتاج إلى المال – وقد تعهدت بتوجيه الإيرادات نحو دفع الرواتب، وتحسين الخدمات، ودعم الاستقرار الاقتصادي.
لكن تدفق النفط من الحقول اليمنية إلى الأسواق العالمية لا يعتمد فقط على قرار السياسيين؛ فهو يتطلب خلق بيئة أمنية، بعد سنوات من الحرب، تسمح بحماية المرافق وخطوط الأنابيب والموانئ، بالإضافة إلى استعادة ثقة شركات الشحن والتأمين، وكذلك المشترين الدوليين.
القصص الموصى بها
قائمة من 4 عناصرنهاية القائمة
مع تهديد حرب اليمن بالتصعيد بعد فترة من الهدوء دامت أربع سنوات، فإن الاستقرار الذي تحتاجه البلاد لاستئناف صادرات النفط قد يكون بعيد المنال.
اختبار التصدير
ويمتلك اليمن احتياطيات نفطية مؤكدة تقدر بنحو ثلاثة مليارات برميل، تتركز بشكل أساسي في أحواض المسيلة ومأرب وشبوة. وبينما تشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) إلى أن البلاد لا تزال تمتلك موارد كافية للإنتاج والتصدير، فإن البيئة الأمنية تعيق استخراجها ونقلها إلى الأسواق العالمية.
وبلغ إنتاج اليمن من النفط ذروة تاريخية بلغت نحو 439 ألف برميل يوميا في بداية الألفية، لكنه تراجع تدريجيا بسبب استنزاف بعض الحقول القديمة. وتسارع هذا التراجع مع اندلاع الحرب عام 2014 واستهداف البنية التحتية النفطية، ليستقر عند مستوى 19 ألف برميل يوميا عام 2024، بحسب صندوق النقد الدولي.
وقدر تقرير نشرته وكالة “ستاندرد آند بورز جلوبال” الإنتاج الفعلي، عقب توقف الصادرات، بنحو 7 آلاف إلى 10 آلاف برميل يوميا في عامي 2023 و2024، وكلها تقريبا للاستخدام المحلي.
قال وزير النفط والمعادن اليمني محمد بامقاع، إن عائدات التصدير ستودع في البنك المركزي ضمن توجيهات حكومية لتعزيز الموارد المالية للدولة، لافتاً إلى أن هناك مخزوناً نفطياً يتجاوز 1.7 مليون برميل جاهز للتصدير.
وأضاف بامقة أن إجمالي الإنتاج سيصل مبدئيا إلى نحو 60 ألف برميل يوميا. وأوضح أن الوزارة وجهت الشركات النفطية بإعداد جداول زمنية لزيادة الإنتاج وتطوير الحقول، بما يرفع الطاقة الإنتاجية بنسبة تصل إلى 25 بالمئة خلال الشهر الأول بعد استئناف الصادرات.
وقال أستاذ الاقتصاد المالي بجامعة حضرموت محمد الكسادي للجزيرة إنه بينما توقع أن يصل إنتاج النفط إلى الرقم 60 ألف برميل يوميا الذي ذكره بامقا، فإن الرقم لا يعكس الحجم الفعلي للصادرات، حيث يستهلك السوق المحلي حوالي 20 ألف برميل يوميا لتشغيل المصافي ومحطات الكهرباء، مما يجعل الكميات المتاحة للتصدير تحوم حول 40 ألف برميل يوميا.
وقال حسن محمد مغليس، الخبير في الشؤون اليمنية، للجزيرة إن معظم الحقول الواقعة في مناطق سيطرة الحكومة لا تزال قادرة على الإنتاج. وفي مقدمتها حقول المسيلة في حضرموت وحقول العقلة في شبوة، والتي تمثل القاعدة الأساسية لأي استئناف مرتقب. وأوضح مغليس أنه يمكن نقل النفط الخام عبر خطوط الأنابيب إلى موانئ بحر العرب.
لكن مغاليس أشار إلى أن استئناف التصدير لا يعني مجرد فتح الصمامات، إذ أن بعض الحقول تحتاج إلى صيانة وترميم بعد فترة طويلة من التوقف. بالإضافة إلى ذلك، تتطلب خطوط الأنابيب ومحطات الضخ مراجعات فنية للتأكد من جاهزيتها قبل استئناف عملياتها العادية.
ثقة السوق
وعلى الرغم من أهمية استئناف الإنتاج في حقول النفط، يعتقد الخبراء أن عقبات أكبر تنتظر بعد وصول النفط إلى الموانئ اليمنية. وأدت هجمات الحوثيين التي استهدفت موانئ التصدير في حضرموت وشبوة في أواخر عام 2022، إلى جعل شركات الشحن والتأمين أكثر حذراً في التعامل مع الخام اليمني، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين وإضعاف رغبة المشترين في إبرام العقود.
واشترط الحوثيون استئناف الصادرات بحصولهم على حصة من الإيرادات لتغطية رواتب القطاع العام.
ويقول الكسادي، من جامعة حضرموت، إن نجاح الحكومة في ضخ النفط إلى الميناء لا يضمن تلقائيا نجاح عملية التصدير. تقوم شركات النقل البحري والتأمين في المقام الأول بتقييم مستوى المخاطر الأمنية واحتمالية مواجهة الموانئ أو الناقلات لهجمات متجددة – وهو مصدر قلق خاص حاليًا في ضوء هجمات الحوثيين على الشحنات المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية.
وأضاف الكسادي أن سوق النفط تعتمد بشكل كبير على الثقة والاستقرار. ولذلك فإن أي عملية تصدير تتطلب اقتناع المشترين بأن الشحنات ستغادر بأمان وأن أنشطة التصدير لن تتوقف فجأة مرة أخرى.
ويرى الخبير مغاليس أن توفير الحماية العسكرية للموانئ وخطوط الأنابيب هو الخطوة الأولى، لكنه ليس الشرط الوحيد. ومن الضروري أيضاً استعادة ثقة شركات التأمين والمشترين الدوليين، لأن النفط لا يصل إلى الأسواق من خلال الإنتاج فقط، بل عبر نظام مترابط للنقل والتمويل والتأمين.
وأضاف أن أي هجوم جديد على الموانئ، حتى لو لم يتسبب في أضرار مادية كبيرة، قد يكون كافياً لإعادة القطاع إلى المربع الأول، نظراً لحساسية شركات الشحن للمخاطر في مناطق النزاع.
ولكن، كما أشار الكسادي، فإن استئناف الصادرات أمر حيوي. واعتبر أن توقف الصادرات لم يكن مجرد أزمة قطاع نفطي، بل تطور إلى أزمة مالية شاملة. وفقدت الحكومة أهم مصدر للعملة الأجنبية، مما أثر سلباً على سعر صرف الريال اليمني وقدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية.
الضغوط الاقتصادية
ورغم أهمية استئناف الصادرات، حذر الخبير في الشؤون اليمنية عبد الكريم الآنسي من المبالغة في تقدير تأثيرها الفوري على الاقتصاد اليمني.
وقال للجزيرة إن استئناف الصادرات سيوفر بلا شك مصدرا حيويا للعملة الأجنبية ويمنح البنك المركزي مجالا أكبر لدعم الاستقرار النقدي. ومع ذلك، لن يكون ذلك كافياً وحده لإنهاء الأزمة الاقتصادية، حيث يواجه الاقتصاد اليمني تحديات أوسع تتعلق بالانقسام بين المناطق التي تسيطر عليها الحكومة وتلك الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وضعف الإيرادات غير النفطية، وتراجع النشاط الاقتصادي.
وأضاف الآنسي أن مدى استفادة اليمنيين من عائدات النفط سيعتمد في النهاية على كيفية إدارة هذه الأموال وقدرة الحكومة على توجيهها إلى الرواتب والخدمات الأساسية، وليس فقط على حجم الصادرات.
وفي حين أن الشحنات الأولية الناجحة يمكن أن ترسل إشارة إيجابية إلى الأسواق والمستثمرين، أكد الآنسي أن الاختبار الحقيقي سيكون ما إذا كان يمكن استدامة الصادرات. يحتاج الاقتصاد اليمني إلى تدفق مستمر من العملات الأجنبية، بدلاً من الشحنات المتفرقة التي تتوقف كلما تدهورت الأوضاع الأمنية.
ولم يؤدي تعليق صادرات النفط إلى حرمان الحكومة من أهم مصادر إيراداتها فحسب، بل أدى أيضًا إلى تكثيف الضغوط على سوق الصرف الأجنبي. ومع نضوب تدفقات الدولار من مبيعات النفط، ظل الطلب على العملات الأجنبية مرتفعا لتمويل واردات السلع الأساسية، وخاصة الغذاء والوقود والأدوية. وقد أدى النقص الناتج إلى إضعاف الريال اليمني وساهم في ارتفاع التضخم.
وقد تفاقمت هذه الضغوط بسبب الانقسام النقدي بين البنك المركزي في عدن والحوثيين في صنعاء، مما أدى إلى إنشاء نظامين ماليين وأسعار صرف منفصلة. ويؤدي الانقسام إلى تعقيد السياسة النقدية ويحد من قدرة السلطات على استخدام عائدات النفط بطريقة منسقة لتحقيق استقرار الاقتصاد.
وقال الكسادي إن الدعم المالي السعودي للحكومة ساعد في الآونة الأخيرة على احتواء تقلبات العملة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. لكنه شدد على أن هذا الدعم ليس بديلا عن التدفق المستمر والمستدام لعائدات النفط، الذي يحتاج إلى فترة من الاستقرار، وهو أمر قد يكون صعبا إذا تصاعد الصراع في اليمن، كما يهدد حاليا.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
