في 27 مايو/أيار، حكمت عليّ محكمة الاستئناف في إيكس أون بروفانس بدفع غرامة قدرها 17 ألف يورو (19500 دولار)، والتي تشمل تعويضات للجمعيات الصهيونية التي كانت طرفاً مدنياً في القضية. لقد كان مثالا واضحا على التطور المقلق في تعامل القضاء الفرنسي مع القضية الفلسطينية.
واليوم هناك قضية أخرى تستحق اهتماماً أكبر لما تحمله من دلالات وتكشف، ولأن من الصعب تشويهها، وقبل كل شيء لأنها تسلط الضوء على تحول عميق في نهج النظام القضائي الفرنسي تجاه فلسطين. وفي مارس 2024، أيدت الغرفة الجنائية بمحكمة النقض، أعلى محكمة في النظام القضائي الفرنسي، إدانة محمد المكني، رجل الأعمال والأب ونائب رئيس بلدية إيشيرول.
ولم يتجاوز البيان المنسوب إليه جملة واحدة: “إنهم يسارعون إلى وصف الإرهاب وهو في نظرنا عمل مقاوم واضح”.
ولم يصدر هذا التصريح عن قائد عسكري فلسطيني أو مسؤول في حماس. بل كان اقتباسًا من أحمد ونيس، وزير الخارجية التونسي السابق والسفير السابق في عهد نظام الرئيس زين العابدين بن علي إلى روسيا والهند، وهو شخصية بعيدة كل البعد عن أي خطاب ثوري.
ولأنه استشهد بهذا التحليل السياسي، حُكم على المكني بالسجن لمدة أربعة أشهر، مع وقف التنفيذ، ومنع من شغل أي منصب عام لمدة أربعة أشهر – وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف، وفي مارس/آذار من هذا العام، محكمة التمييز، في قرار لا يمكن اعتباره عادياً بأي حال من الأحوال.
للمرة الأولى منذ 7 أكتوبر 2023، تدخلت أعلى محكمة في فرنسا بشكل مباشر في المعركة السياسية والقانونية المحيطة بتصنيف المقاومة الفلسطينية. وفي قلب هذه القضية، ولأكثر من قرن من الزمان، كان هناك سؤال أساسي: هل يحق للأشخاص الذين يعيشون تحت احتلال عسكري طويل الأمد أن يقاوموا؟
وفي حين يجيب القانون الدولي بالإيجاب، ويشارك قسم كبير من العالم العربي والأفريقي والآسيوي وأميركا اللاتينية هذا الرأي، يبدو أن فرنسا الرسمية تجيب الآن بشكل مختلف. إدانة المكني لا تعاقب على التحريض على القتل أو ارتكاب الهجمات؛ بل يعاقب على مجرد الربط بين الاحتلال والمقاومة. وبعبارة أخرى، فهو يجرم الإطار السياسي الذي يتقاسمه أشخاص أبعد بكثير من أنصار حماس.
لقد قدمت محكمة النقض إجابة مثيرة للقلق، وهي الإجابة التي تقودنا إلى الاعتقاد بأن المحاكم الفرنسية لا تعمل تحت تأثير الحكومة فحسب، بل إن الحكومة نفسها تعمل تحت تأثير أجنبي.
وهذا التطور لم يأت من تلقاء نفسه. بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، اختارت الحكومة الفرنسية استخدام تهمة تمجيد الإرهاب كأداة أساسية للسيطرة على النقاش العام حول فلسطين. وتغيرت وظيفة هذه التهمة تدريجياً بعد أن أنشئت أصلاً لمكافحة دعاية تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتجنيد الجهاديين، لتصبح بدلاً من ذلك وسيلة لضبط الخطاب الذي يرفض فصل أحداث 7 أكتوبر عن سياقها التاريخي. وهنا يكمن جوهر الخلاف.
يصر الخطاب السائد بين النخب الغربية على التعامل مع يوم السابع من أكتوبر باعتباره حدثا معزولا، منفصلا عن أي تاريخ سابق. ومع ذلك، فإن غالبية العالم تعتبره جزءًا من عملية تاريخية اتسمت بالاحتلال والاستعمار والتهجير القسري والحرمان المستمر من الحقوق الوطنية الفلسطينية. وهذا التفسير الثاني هو الذي يخضع الآن بشكل متزايد للرقابة القضائية.
وتمتد تداعيات قضية ماكني إلى ما هو أبعد من الرجل نفسه. إن تجريم أي محاولة للربط بين الأفعال التي ارتكبت في إسرائيل يوم 7 أكتوبر 2023 وادعاءات المقاومة هو صفعة على الوجه، ليس فقط لجميع المواطنين الفرنسيين من أصل أجنبي الذين اختاروا طريق التكامل الجمهوري، ولكن أيضًا للنخب السياسية العربية، وعلى نطاق أوسع، لنخب الجنوب العالمي الذين يتبنون تفسير وزير الخارجية التونسي السابق والسفير السابق لزين العابدين بن علي، الذي يختلف خطابه حول هذه القضية جذريًا عن التصريحات والخطب الصادرة عن تونس. الحوثيين في اليمن.
وفي نهاية المطاف، يشكل هذا إهانة واضحة لفكر بعض أبرز الزعماء السياسيين في فرنسا. وفي عام 1967، اعترف الجنرال شارل ديغول صراحة، كما أشرنا مراراً وتكراراً، بالارتباط بين الحق في مقاومة الاحتلال غير القانوني وميل المستعمرين إلى وصف تلك المقاومة بأنها “إرهاب”.
وبالتالي فإن قضية المكني تعني كل من يرفض السماح باستبعاد فلسطين من القواعد العامة للتاريخ. وهو يهم كل من لا يزال يعتقد أن مفاهيم الاستعمار والاحتلال والمقاومة تظل صالحة عندما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني. كما أنه يلفت انتباه كل من يرفض تحويل الجدل السياسي إلى مسألة إجرامية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه هذا الحكم القضائي بسيطا: هل ما زال من الممكن في فرنسا الإشارة إلى أن الاحتلال يحرك المقاومة دون اتهامه بتمجيد الإرهاب؟
لقد قدمت محكمة النقض إجابة مثيرة للقلق، وهي الإجابة التي تقودنا إلى الاعتقاد بأن المحاكم الفرنسية لا تعمل تحت تأثير الحكومة فحسب، بل إن الحكومة نفسها تعمل تحت تأثير أجنبي. ولهذا السبب على وجه التحديد تستحق هذه القضية أن تكون معروفة ومدانة على نطاق واسع خارج حدود فرنسا.
تم نشر نسخة من هذه المقالة باللغة العربية في الأصل بواسطة قناة الجزيرة العربية هنا.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لقناة الجزيرة.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
