المقال يؤكد أن التغيير المؤسسي الحقيقي لا يتحقق بالشعارات أو القرارات الورقية، بل حين تصبح الكفاءة معيار التعيين والاستمرار، وتُفتح الأبواب للأفكار وتُراجع أداء القيادات بموضوعية بعيدًا عن المحسوبية. ويشدد على أن مقاومة التغيير تنشأ عندما يُنظر إلى التطوير كتهديد للمناصب، داعيًا إلى حوكمة رشيدة تربط…
التغيير في المنظمات ليس قرارًا إداريًا يُكتب في تعميم، ولا شعارًا يُرفع عند إطلاق مبادرة جديدة، والتغيير الحقيقي يبدأ عندما تصبح الكفاءة معيارًا، والفكرة فرصة، والمنصب مسؤولية لا امتيازًا.
وفي بعض المؤسسات، قد لا تكون المشكلة في غياب الكفاءات أو الأفكار، بل في مقاومة التغيير نفسه، فهناك من يعتاد موقعه إلى درجة يرى معها أي تطوير تهديدًا لمكانته، فيميل إلى إبقاء الأمور كما هي، وقد يحيط صاحب القرار بدائرة محدودة من الآراء، فتغيب عنه أصوات أصحاب الخبرة والمبدعين الذين يمكن أن يقدموا حلولًا مختلفة، وهنا تتحول المشكلة من مسألة إدارية إلى مشكلة في صناعة القرار.
المؤسسة التي تخشى السؤال والمراجعة لن تتطور، والتي تجعل القرب من المسؤول أهم من الكفاءة، قد تخسر أفضل عقولها دون أن تشعر، أما المؤسسة التي تفتح أبوابها للأفكار، وتراجع أداء قياداتها، وتربط المسؤولية بالاختصاص والقدرة على الإنجاز، فهي الأقدر على مواكبة التحول.
وليس المقصود بالتغيير إقصاء كل من سبق، ولا استبدال الخبرات لمجرد التجديد، بل المطلوب هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وأن تكون الكفاءة والخبرة ونتائج الأداء هي التي تحدد استمرار المسؤول في موقعه، لا طول بقائه فيه أو اتساع دائرة علاقاته.
ومن المهم أيضًا أن نعيد النظر في مفهوم الملاءمة المهنية، فليس كل صاحب خبرة في مجال ما مؤهلًا بالضرورة لإدارة مجال مختلف جذريًا، على سبيل المثال لا الحصر لا يمكن أن يصبح المهندس الكهروميكانيكي أو اخصائي التمريض مستشاراً مالياً بشركة مالية ومحاسبية بمجرد حصوله على شهادة أو دورة في بضع شهور تلامس ابحديات العمل المالي، قد يكون المتخصص الصحي متميزًا في تخصصه، لكن إدارة منظومة مالية معقدة تحتاج إلى خبرة مالية ومؤسسية متخصصة، تمامًا كما أن كل منظومة تحتاج إلى أهل الاختصاص، والاستعانة بالمستشارين والخبراء ولا تنتقص من المدير، بل تعزز جودة قراره.
وهذا جوهر ما تدفع إليه رؤية المملكة 2030؛ في تطوير المؤسسات، ورفع كفاءة الأداء، وتمكين الكفاءات، وتحسين الإجراءات، وبناء بيئة عمل أكثر قدرة على الابتكار والمساءلة والإنجاز.
ولذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الجهات الحكومية ليس فقط في إطلاق مشاريع التغيير، وإنما في تهيئة البيئة التي تسمح للتغيير أن ينجح: قيادات تُقيّم بإنجازها، وكفاءات تصل إلى مواقع التأثير، وقرار يستمع إلى الرأي المختلف، وأنظمة تمنع تضارب المصالح، وقنوات تتيح وصول الأفكار إلى صاحب القرار دون أن تتوقف عند الحواجز الإدارية.
التغيير لا يحتاج إلى ديمقراطية تعطل القرار، ولا إلى دكتاتورية تصنع القرار منفردة، ما يحتاجه هو حوكمة رشيدة؛ قرار حازم، ورأي متعدد، ومعيار واضح، ومساءلة عادلة.
فالمنصب في النهاية ليس ملكًا لصاحبه، وإنما أمانة مؤقتة لخدمة الجهة وتحقيق أهدافها.
وحين تصبح الكفاءة أقوى من المحسوبية، والفكرة أقوى من القرب، والمصلحة العامة أقوى من المحافظة على الكرسي، عندها فقط يتحول التغيير من مقاومة تُخشى إلى فرصة تُستثمر.
وهنا تبدأ المنظومة التي تتغير… لا المنظومة التي تخاف من التغيير
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.