يحذّر المقال من سهولة تحوّل الجملة العابرة في المجالس إلى شائعة متضخّمة، تتناقلها الألسن والهواتف حتى تفقد علاقتها بالمصدر والواقع، خاصة عندما ترتبط بمصالح الناس أو مخاوفهم أو بسمعة شخص بعينه. ويؤكد أن الثقة بالمرسِل لا تعني بالضرورة صحة المعلومة، وأن مسؤولية الفرد تقتضي التوقف عن نشر ما لم يتحقق من…
كان الحديث عاديًا، مثل أغلب الأحاديث التي تمر في المجالس دون أن نتذكرها في اليوم التالي. قهوة تدور، وأخبار متفرقة، واحد يتحدث عن عمله، وآخر عن الزحمة، وثالث يقلب في جواله. ثم قال أحدهم فجأة: «والله سمعت إن…». توقفت الأحاديث للحظة، والتفتت إليه الأنظار. «وش سمعت؟» قال: «يقولون إن…». ومن هنا تبدأ الحكاية.
الغريب أننا نادرًا ما نسأل في تلك اللحظة: من قال؟ ومتى؟ وهل تأكدت؟ غالبًا نريد أن نعرف بقية القصة فقط. وبعدها تنتقل الجملة من شخص إلى آخر، وكل واحد يضيف إليها شيئًا، تفسيرًا أو توقعًا أو تفصيلًا صغيرًا. وبعد عدة أيام قد تختفي الجملة الأصلية تمامًا، وتبقى قصة جديدة لا يعرف أحد أين بدأت.
والأغرب أن الشائعة لا تحتاج دائمًا إلى شخص يريد الكذب حتى تنتشر. أحيانًا يكفي شخص حسن النية نقل ما سمعه، ثم شخص آخر نقل ما فهمه، ثم ثالث أضاف ما ظنه منطقيًا. لا أحد تعمد اختلاق القصة، لكن النتيجة في النهاية قصة لا يعرف أحد مقدار حقيقتها.
هذا يحدث حولنا كل يوم. خبر عن شخص، أو وظيفة، أو قرار، أو أسعار، أو مشروع، أو حتى موقف عابر. وما إن تكون المعلومة قريبة من مصالح الناس أو مخاوفهم حتى تنتشر أسرع. وفي زمن الجوال، لم تعد الحكاية تحتاج إلى مجلس آخر حتى تنتقل؛ يكفي أن تضغط «إرسال».
وأحيانًا تأتي الرسالة من شخص نثق به، فنثق بما فيها دون أن نسأل عن مصدرها. وهذه واحدة من أكثر النقاط التي تجعل الأمر معقدًا. نحن لا نصدق المعلومة دائمًا لأنها موثوقة، بل لأن الذي أرسلها لنا شخص نثق به. لكنه بدوره قد يكون قد تلقاها من شخص آخر، وهكذا تستمر السلسلة حتى تضيع نقطة البداية.
المشكلة لا تقف عند الأخبار العامة. حين يكون الكلام عن شخص بعينه، تصبح المسألة أثقل. قد نقول جملة في مجلس وننساها بعد دقائق، بينما تصل إلى شخص آخر وتؤثر في نظرته لإنسان لا يعرفه أصلًا. وقد تكون القصة غير صحيحة، لكن تصحيحها لاحقًا ليس سهلًا؛ فالخبر الذي ينتشر بسرعة لا يعود إلى الوراء بالسرعة نفسها.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم ليس أن نعرف كل شيء، بل أن نتعلم متى نقول: «ما أدري». هذه العبارة البسيطة أصبحت أقل حضورًا مما ينبغي. نميل إلى الإجابة حتى عندما لا نملكها، وإلى نقل الكلام حتى عندما لا نعرف صحته، وكأن مجرد وصول المعلومة إلينا يمنحنا الحق في نقلها إلى الآخرين.
ليس المطلوب أن نتوقف عن الحديث، ولا أن نشك في كل ما نسمعه. المطلوب فقط أن نعرف أن هناك فرقًا بين أن تسمع شيئًا وبين أن تجعله حقيقة في مجلس آخر. وأن بعض الكلام، مهما كان مثيرًا، لا يستحق أن يغادر المكان الذي قيل فيه.
لذلك، في المرة القادمة التي يبدأ فيها أحدهم حديثه بـ«والله سمعت»، ربما لا يكون السؤال الأهم: «وش صار؟» بل: «هل أنت متأكد؟». وإذا كانت الإجابة: «نعم، بتأكيد»، فهنا لا يكفي التصديق السريع، بل يجب أن نتوقف لحظة طويلة قبل أن نمنح الكلام صفة الحقيقة، لأن اليقين في النقل لا يعني دائمًا يقين الواقع.
وإذا كانت الإجابة: «والله ما أدري»، فربما يكون أفضل قرار هو أن تنتهي الحكاية عندنا.
اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.