بعد عشرين عاماً من الحكم الذي شكله الحصار الخانق، والانقسامات السياسية العميقة، والصراع العسكري الذي لا هوادة فيه، قررت حماس رسمياً حل لجنة الطوارئ الحكومية في قطاع غزة، وهي الهيئة التي كانت تدير الأراضي الفلسطينية فعلياً.

تنقل هذه الخطوة السلطة الإدارية إلى هيئة تكنوقراطية تم تشكيلها حديثًا، مما يمثل نقطة تحول تاريخية للجيب المحاصر.

إن تسليم السلطة إلى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، التي تعمل في إطار “مجلس سلام غزة” المدعوم دوليا، يختتم رسميا حقبة مضطربة. ومع ذلك، يعتقد بعض المحللين أن هذا التحول – وأهميته – لا يمكن فهمه بشكل كامل دون دراسة معالم الحصار والتدمير المستهدف والإقصاء السياسي الدولي الذي سبقه.

2006: انتصار ديمقراطي وحصار فوري

بدأ مسار حكم حماس في السادس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2006، عندما فازت الحركة بأغلبية ساحقة وغير متوقعة في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية. وحصلت حماس على 76 مقعدا من أصل 132 مقعدا، متغلبة على حركة فتح التي حكمت لفترة طويلة، والتي فازت بـ 43 مقعدا فقط. وشهدت الانتخابات إقبالا كثيفا، حيث أدلى ما يقرب من 78 بالمائة من أصل 1.3 مليون ناخب مؤهل في غزة بأصواتهم.

وفي ذلك الوقت، حاول زعيم حماس، إسماعيل هنية، طمأنة المجتمع الدولي بأن الحركة كانت “حركة ناضجة” ومنفتحة سياسيا. لكن النائبة الفلسطينية حنان عشراوي حذرت حينها من أن الانتصار قد يؤدي بالفلسطينيين إلى عزلة دولية.

لقد تحققت مخاوفها على الفور تقريبًا. وبدلاً من أن يؤدي النصر إلى التكامل السياسي، فقد أدى إلى فرض حصار اقتصادي وأمني إسرائيلي شديد في النصف الأول من عام 2006.

يتذكر الباحث السياسي الفلسطيني محمد العيلة كيف لم يشكك أي طرف دولي أو محلي في نزاهة الانتخابات، لكن القوى الغربية التي تدعي الاحتفال بالديمقراطية رفضت النتائج عندما أظهرت فائزًا سياسيًا لا يتوافق مع مصالحها. وعندما فشلت المحاولات الأولية لاستيعاب الجماعة واعتدالها، تحول النظام الدولي نحو سياسة استبعاد صارمة.

2006 – 2010: حرب بين الفصائل وحصار خانق

وتصاعد الوضع بشكل كبير في 25 يونيو/حزيران 2006، عندما أسر المقاتلون الفلسطينيون الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في عملية معقدة عبر الحدود. واستشهدت إسرائيل بهذه العملية العسكرية، إلى جانب نتائج الانتخابات، كمبرر لتشديد قبضتها على القطاع.

وبحلول 14 يونيو/حزيران 2007، وفي أعقاب فترة من الاقتتال الدموي بين الفصائل الفلسطينية، سيطرت حماس عسكرياً وسياسياً كاملاً على قطاع غزة. ورداً على ذلك، قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس بحل حكومة الوحدة الوطنية التي كانت في السلطة حتى ذلك الحين، وفرضت إسرائيل حصاراً برياً وبحرياً وجوياً شاملاً على غزة.

وقد مهد هذا الطريق للدمار الاقتصادي الذي سيأتي: على مدى السنوات التالية، أصبح 80% من السكان يعتمدون على المساعدات، وأغلقت 80% من المصانع، وفقد عشرات الآلاف من الأشخاص وظائفهم. وعلى الرغم من المحاولات لكسر الحصار – وأبرزها أسطول الحرية عام 2010، والذي انتهى بغارة عسكرية إسرائيلية مميتة على سفينة مافي مرمرة – ظل الحصار سمة مميزة للحياة اليومية.

2014 – 2023: تحوّل في الإدارة ومحاولات المصالحة

ولإدارة القطاع وسط الحصار المستمر والهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في الأعوام 2008 و2012 و2014، شكلت حماس لجنة إدارية في عام 2014 بعد انهيار اتفاق المصالحة. وسعيًا لتخفيف عزلتها الدولية، أصدرت حماس وثيقة سياسية جديدة في عام 2017، وفي وقت لاحق من ذلك العام، قامت بحل لجنتها الإدارية تحت ضغط مصري لتمكين حكومة الوحدة الوطنية.

ومع تعثر جهود المصالحة مرارا وتكرارا، ظهرت “لجنة متابعة العمل الحكومي” عام 2018 كهيئة شبه دائمة لإدارة الشؤون المدنية والخدمية.

وأشار العيلة إلى أن استعداد حماس للتخلي عن الإدارة المدنية لم يكن مجرد نتاج للحرب الحالية. وقد أبدت الحركة في السابق استعدادها لتقاسم السلطة، ولا سيما الضغط من أجل إجراء الانتخابات الفلسطينية العامة التي ألغاها الرئيس عباس في عام 2021، والموافقة على اتفاق المصالحة الموقع في الجزائر عام 2022. وبعد أن أدركت أن تحمل عبء الحكومة الوحيد لم يعد مستداما، أدركت حماس أن حكم غزة يتطلب إجماعا وطنيا واسع النطاق.

لكن كل شيء تغير في أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما قاد مقاتلو حماس هجوما على جنوب إسرائيل. قُتل ما يقرب من 1200 شخص، وأسر المقاتلون الفلسطينيون أكثر من 200 أسيرًا إلى غزة. وردت إسرائيل بشن حرب إبادة جماعية على غزة، والتي قتل فيها أكثر من 70 ألف شخص منذ ذلك الحين.

2023 – 2025: الحرب وحكم الطوارئ والاغتيالات المستهدفة

وفي أعقاب اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، قامت هيئة حكم حماس بتفعيل غرفة عمليات مركزية، وشكلت رسمياً “لجنة الطوارئ الحكومية”. قامت هذه الهيئة بتنسيق إدارة المستشفيات وملاجئ النازحين وإمدادات المياه وإزالة الأنقاض.

وطوال فترة الحرب، استهدفت إسرائيل بشكل منهجي البنية التحتية المدنية والكوادر الإدارية في غزة، فضلاً عن كبار قادة حماس. وفي يوليو 2024، اغتيل زعيم حماس إسماعيل هنية – الذي شارك في مفاوضات السلام – أثناء زيارته لطهران.

وفي ضربة كبيرة لنظام الحكم المحلي في غزة، اغتالت القوات الإسرائيلية عصام الدعاليس، رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي، في مارس/آذار 2025.

وبحسب العيلة، كانت هذه استراتيجية متعمدة. وأوضح أن الجيش الإسرائيلي عمل بشكل ممنهج على تفكيك القدرات الإدارية من خلال ضرب المقرات المدنية والشرطية لخلق “فراغ إداري”.

وقد أدت هذه الفوضى المؤسسية الناتجة إلى جعل غزة أكثر عرضة لترتيبات إدارية بديلة مفروضة دوليا، ووضعتها في إطار الرد الضروري على الفراغ الذي خلقه الجيش الإسرائيلي.

2026: مجلس السلام، التسليم النهائي، والمستقبل

بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وافق البيت الأبيض على هيكل إداري انتقالي في يناير/كانون الثاني 2026. وشمل ذلك إنشاء “مجلس السلام في غزة” و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة” التكنوقراطية، برئاسة علي شعث، وهو مسؤول فلسطيني ومهندس مدني.

بتاريخ 6 يوليو 2026، عقد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة مؤتمراً صحفياً خارج مستشفى شهداء الأقصى للإعلان عن حل لجنة الطوارئ رسمياً.

وأعرب المسؤولون الإسرائيليون عن شكوكهم العميقة بشأن العملية الانتقالية. ورفض وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون سار هذه الخطوة ووصفها بأنها “خدعة”، بحجة أن حماس تحاول تكرار “نموذج حزب الله” في لبنان – مما يسمح لحكومة تكنوقراط بالتعامل مع الخدمات البلدية بينما تحتفظ الجماعة بقوتها العسكرية.

وبموجب الفترات الانتقالية، سيبقى حوالي 45 ألف موظف حكومي حالي في قطاعات الصحة والتعليم والأمن الداخلي في مناصبهم لضمان تقديم الخدمات الأساسية دون انقطاع.

وحذر العيلة من أي محاولات دولية لتفكيك هذه القوى البيروقراطية الهائلة، مشيراً إلى أن استبدال الموظفين الحكوميين الذين يمتلكون سنوات من الخبرة المهنية الحيوية سيؤدي إلى شلل مؤسسي واضطرابات اجتماعية.

وشدد على أنه في حين توصف اللجنة الوطنية الجديدة بأنها كيان غير سياسي، إلا أنها ليست مستقلة سياسيا، حيث تم تشكيلها تحت رعاية الولايات المتحدة ولها أهداف سياسية محددة. وخلص إلى أن نجاحها لا يزال يعتمد بشكل كامل على تجنب السياسات الإقصائية وبناء علاقات إيجابية مبنية على الإجماع مع القوى السياسية والأسر والمجتمع المدني الموجودة في غزة.


اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاركها.
اترك تعليقاً

اكتشاف المزيد من صحيفة سهم نيم

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة